صفي الرحمان مباركفوري
175
الرحيق المختوم
الكفاح الدامي استفزازات قريش ضد المسلمين بعد الهجرة واتصالهم بعبد اللّه بن أبي : قد أسلفنا ما كان يأتي به كفار مكة من التنكيلات والويلات ضد المسلمين ، وما فعلوا بهم عند الهجرة ، مما استحقوا لأجلها المصادرة والقتال ، إلا أنهم لم يكونوا ليفيقوا من غيهم ، ويمتنعوا عن عدوانهم ، بل زادهم غيظا أن فاتهم المسلمون ووجدوا مأمنا ومقرا بالمدينة ، فكتبوا إلى عبد اللّه بن أبي بن سلول ، وكان إذا ذاك مشركا بصفته رئيس الأنصار قبل الهجرة - فمعلوم أنهم كانوا مجتمعين عليه ، وكادوا يجعلونه ملكا على أنفسهم لولا أن هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وآمنوا به - كتبوا إليه وإلى أصحابه المشركين يقولون لهم في كلمات باتة : إنكم آويتم صاحبنا ، وإنا نقسم باللّه لتقاتلنه أو لتخرجنه ، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا ، حتى نقتل مقاتلتكم ، ونستبيح نساءكم « 1 » . وبمجرد بلوغ هذا الكتاب قام عبد اللّه بن أبي ليمتثل أوامر إخوانه المشركين من أهل مكة - وقد كان يحقد على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لما يراه أنه استلبه ملكه - يقول عبد الرحمن بن كعب : فلما بلغ ذلك عبد اللّه بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما بلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم لقيهم ، فقال : « لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم ، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم ، فلما سمعوا ذلك من النبي صلى اللّه عليه وسلم تفرقوا « 2 » . امتنع عبد اللّه بن أبي بن سلول عن إرادة القتال عند ذاك ، لما رأى خورا أو رشدا في أصحابه ، ولكن يبدو أنه كان متواطئا مع قريش ، فكان لا يجد فرصة إلا وينتهزها لإيقاع الشر بين المسلمين والمشركين ، وكان يضم معه اليهود ، ليعينوه على ذلك ، ولكن تلك هي حكمة النبي صلى اللّه عليه وسلم التي كانت تطفئ نار شرهم حينا بعد حين « 3 » .
--> ( 1 ) أبو داود باب خبر النضير . ( 2 ) أبو داود باب خبر النضير . ( 3 ) انظر في هذا الصدد صحيح البخاري 2 / 655 ، 656 ، 916 ، 924 .